السيد المرعشي
274
شرح إحقاق الحق
الاطمئنان ، ولا يشك عاقل في أن النفس حال عدم تجويز الكبائر أقرب منها إلى ذلك عند تجويزها ، وقد يبعد الأمر عند الشئ ولا يرتفع كما يقرب من الشئ ولا يقع عنده ، ولا يرى أن عبوس ( 1 ) الداعي إلى طعامه وتضجره منفر في العادة عن حضور دعوته وتناول طعامه ، وقد يقع مع ما ذكرناه الحضور والتناول ولا يخرجه من أن يكون منفرا ، وكذلك طلاقة وجه واستبشاره وتبسمه يقرب من الحضور والتناول وقد يرتفع عند ذلك ، ولا يقال : هذا يقتضي أن لا تقع الكبائر عنهم حال النبوة والإمامة ، وأما قبلها فلا لزوال حكمها بالتوبة المسقطة للعقاب والذم ولم يبق وجه يقتضي التغير ، لأنا نقول : إنا لم نجعل المانع عن ذلك استحقاق العقاب والذم فقط ، بل ولزوم التنفير أيضا ، وذلك حاصل بعد التوبة ، ولهذا نجد ذلك من حال الواعظ الداعي إلى الله وقد عهدنا منه الإقدام على كبائر الذنوب وإن تاب عنها ، بخلاف من لم يعهد منه ذلك ( 2 ) ، والضرورة فارقة بين الرجلين فيما يقتضي القبول والنفور ، وكثيرا ما نشاهد أن الناس يعيرون من عهد منه القبائح المتقدمة وإن حصلت منه التوبة والنزاهة ويجعلونها نقصا وعيبا وقدحا ، غاية ما في الباب أن الكبائر بعد التوبة أقل تنفيرا منها قبل التوبة لا يخرج بذلك عن كونها منفردة ، فإن قلت فلم قلتم : إن الصغائر لا تجوز عليهم مطلقا ولا تنفير فيها ؟ قلت : بل التنفير حاصل فيها أيضا عند التأمل ، لأن اطمئنان النفس وسكونها إنما هو مع الأمن عن ذلك لا مع تجويزها ، والفرق بأن الصغائر لا توجب عقابا وذما ساقط ، لأن المعتبر التنفير كما ذكرنا مرارا ، ألا ترى أن كثيرا من المباحات منفردة ولا ذم ولا عقاب فيها